عين القضاة
25
شرح كلمات بابا طاهر العريان
وحال المشاهدة في البداية غير مستقرّ ، بل يبدو فيخفى ، ويسمّى لائحا ، وباديا ، وبارقا ، وطالعا ، يطلع تارة ، ويأفل أخرى ، إلى أن يستقرّ ويثبت ، ويطلق عليه اسم الحقّ ؛ فلهذا قال : ( والحقيقة داعي الحقّ ) . وحال المشاهدة التي هي الحقيقة تدعو المشاهد إلى فنائه في المشهود ، وهو لا يجيبه بالكلّيّة ، إلى أن يدعو الحقّ فيجيبه بالكلّيّة ، ويسلم إليه وجهه ، فهذا معنى قوله : ( ويجيب المجيب بداعي الحقّ ) . قال : ( العلم رسول ، والحقيقة أصول ، والحقّ صؤول ) . أقول : قوله : ( أصول ) مضاف إليه أقيم مقام المضاف المحذوف وهو المشاهدة ، و ( الصؤول ) بناء مبالغة من الصّولة على الخصم لإفنائه ؛ أي العلم رسول الحقّ ، يدعو العبد إلى ربّه ، والحقيقة مشاهدة أصول ، يتفرّع منها فروع الوجود ؛ فالذات الأحدية أصل ، يتفرّع منها وجود ذوات الممكنات ، والصّفات الأزليّة أصول ، تتفرّع منها صفات الممكنات . فوجود كلّ سمع من أصل السمع الأحدي ، وكذلك وجود البصر ، والعلم ، والقدرة ، والإرادة ، إلى غير ذلك ، ومشاهدة هذه الأصول في البداية لا تفني وجود العبد بالكلّيّة ؛ لعدم استقرارها . وأمّا في النهاية - إذا ثبتت ، واستقرّت ، وأطلق عليها اسم الحقّ - تقتضي فناء العبد بالكلّيّة ، كما مرّ ، فهذا معنى قوله : ( والحقّ صؤول ) . وقال : ( الرّجوع بالعلم إلى العلم فعل الصّادقين ، والرّجوع بالحقيقة إلى العلم فعل الخاسرين ، والرّجوع باللّه إلى العلم برؤية الحقيقة فعل العارفين ) . أقول : الرّجوع يقتضي مرجوعا منه وإليه ، والباء في ( بالعلم ) و ( باللّه ) و ( برؤية ) للمصاحبة ، و ( برؤية ) بدل ( باللّه ) . اعلم أنّ الوقوف على معنى هذا الكلام متوقّف على ذكر مقدّمة ، وهي أنّ سالك طريق الحقّ بنور العلم ، إمّا واصل إلى كعبة الحقيقة ، أو لا . والواصل لا بدّ له من الرجوع إلى العلم في كلّ وقت ، أداء لحقّ الربوبيّة بالعبوديّة ، فرجوعه إلى العلم ، إمّا أن يكون من الحقيقة ، وهو فعل الخاسرين ؛